ابن رشد

25

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

ولعل أقدم الروايات في هذا الموضوع ما حكاه ابن النديم من أن أبا الحسن الأشعري كان " من أهل البصرة ، وكان أولا معتزليا ثم تاب من القول بالعدل وخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة في يوم الجمعة : رقي كرسيا ونادى بأعلى صوته : " من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه نفسي : أنا فلان ابن فلان ، كنت [ أقول ] بخلق القرآن وأن الله لا يرى بالأبصار وأن أفعال البشر أنا أفعلها . وأنا تائب مقلع ، معتقد للرد على المعتزلة " . فخرج بفضائحهم ومعايبهم " . « 16 » وتوالت الروايات ليكتسي كثير منها طابعا أسطوريا ويذهب بعضها إلى حد القول إن الأشعري قال في إعلانه ذاك على الملأ في المسجد : " اشهدوا علي أني كنت على غير دين الإسلام وأني قد أسلمت الساعة وأني تائب مما كنت فيه من القول بالاعتزال " . « 17 » وإلى جانب هذا الإخراج المسرحي ل " توبة " أبي الحسن الأشعري تجمع الروايات على أن ذلك كان عقب مناظرة بينه وبين أستاذه أبي على الجبائي ، ترويها المصادر بصيغ مختلفة لعل أشهرها الرواية التالية : قال الأشعري لأستاذه الجبائي : " أيها الشيخ ، ما قولك في ثلاثة : مؤمن وكافر وصبي " ؟ ( - يقصد مصيرهما يوم القيامة ) . فأجاب الجبائي : " المؤمن من أهل الدرجات ، والكافر من أهل الهلكات ، والصبي من أهل النجاة " . فقال الأشعري : " فإن أراد الصبي أن يرقى إلى أهل الدرجات ، هل يمكن " . قال الجبائي : " لا . يقال له : إن المؤمن إنما نال هذه الدرجة بالطاعة ، وليس لك مثلها " . قال الأشعري : " فإن قال : التقصير ليس مني . فلو أحييتني كنت عملت من الطاعات كعمل المؤمن " . قال الجبائي : " يقول له الله : كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت ولعوقبت ، فراعيت مصلحتك وأمتّك قبل أن تنتهي إلى سن التكليف " . قال الأشعري : " فلو قال الكافر : يا رب ، علمت حاله كما علمت حالي ، فهل لا راعيت مصلحتي مثله " ؟ فانقطع الجبائي . ( واضح أن ما يراد إثباته في هذه المناظرة هو بطلان قول المعتزلة بحرية الإرادة البشرية وأن الله لا يفعل إلا الصلاح ) . « 18 » لقد توقفنا عند هاتين الروايتين لنعطي من خلالهما صورة عن العلاقة التي نسجها الأشاعرة مع المعتزلة . لقد واجه المعتزلة خصما خارجيا يقول بالتعدد في مجال الألوهية ( - المثنوية ) فشددوا على فكرة التوحيد ، وقادهم الجدال مع خصومهم إلى نوع من التنزيه يصطدم مع ظاهر كثير من الآيات في القرآن ، فاضطروا

--> ( 16 ) ابن النديم . الفهرست . ص 181 طبعة فلوجل . أو 271 طبعة القاهرة . ( 17 ) ابن عساكر . تبيين كذب المفتري . . . " . دمشق . 1347 . ص . 4 . ( 18 ) السبكي . طبقات الشافعية . ج 2 . ص 250 - 251 .